عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

313

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : معناه قضى اللّه لكم ؛ كقوله عزّ وجلّ : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] ، أي : قضاه . الثالث : ما كتب اللّه في اللّوح المحفوظ ممّا هو كائن . الرابع : ما كتب اللّه في القرآن من إباحة هذه الأفعال . قوله : « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا » الفائدة في ذكرهما : أنّه لو اقتصر على قوله : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » لم يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشّرب ، فذكرهما لتتمّ الدلالة على إباحتهما ، وهذا جواب نازلة قيس ، والأول جواب نازلة عمر ، وبدأ بجواب نازلة عمر ، لأنه المهمّ . قوله : « حَتَّى يَتَبَيَّنَ » « حتّى » هنا غاية لقوله : « كلوا واشربوا » بمعنى « إلى » ، ويقال : تبيّن الشّيء ، وأبان ، واستبان ، وبان كلّه بمعنّى ، وكلّها تكون متعدية ولازمة ، إلّا « بان » فلازم ليس إلّا ، و « من الخيط » لابتداء الغاية ، وهي ومجرورها في محلّ نصب ب « يتبيّن » ؛ لأنّ المعنى : حتى يباين الخيط الأبيض الأسود . و « من الفجر » يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون تبعيضية ؛ فتتعلّق أيضا ب « يتبيّن » ؛ لأنّ الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأوله ، ولا يضرّ تعلّق حرفين بلفظ واحد ؛ لاختلاف معناهما . والثاني : أن تتعلّق بمحذوف ؛ على أنها حال من الضمير في الأبيض ، أي : الخيط الذي هو أبيض كائنا من الفجر ، وعلى هذا يجوز أن تكون « من » لبيان الجنس ؛ كأنه قيل : الخيط الأبيض الّذي هو الفجر . والثالث : أن يكون تمييزا ، وهو ليس بشيء ، وإنما بيّن قوله « الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ » بقوله : « مِنَ الْفَجْرِ » ولم يبيّن الخيط الأسود ؛ فيقول : من اللّيل ؛ اكتفاء بذلك ، وإنما ذكر هذا دون ذاك ؛ لأنّه هو المنوط به الأحكام المذكورة في المباشرة والأكل والشّرب . وهذا من أحسن التّشبيهات ، حيث شبّه بياض النّهار بخيط أبيض ، وسواد الليل بخيط أسود ، حتى إنه لما ذكر عديّ بن حاتم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه فهم من الآية الكريمة حقيقة الخيط ، تعجّب منه ، وقال : « إنّ وسادك لعريض » ويروى : « إنّك لعريض القفا » . وقد روي أنّ بعض الصحابة فعل كفعل عديّ ، ويروى أن بين قوله « الخيط الأبيض من الخيط الأسود » وبين قوله : « من الفجر » عاما كاملا في النزول . روي عن سهل بن سعد ، قال : أنزلت « كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ » ولم ينزل قوله : « من الفجر » وكان رجال إذا أرادوا الصّوم ، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض ، والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما ، فأنزل اللّه تعالى « مِنَ الْفَجْرِ » ، فعلموا أنّه إنما عني اللّيل والنّهار ، وسمّي الفجر